عِلَّة السودان فى سيادتِه المسلُوبة وتُسترد بإستردادِ الأرض

عِلَّة السودان فى سيادتِه المسلُوبة وتُسترد بإستردادِ الأرض


قضية الأرض والسيادة فى السودان لا يسعها مقال، سأكتب عناوين بارزة فيها، على أن أفصِّلَ لاحقاً.
الدولة، أىِّ دولة، هى أرض وشعب يقطنه له عقد إجتماعى ومصير مشترك. وهذا الشعب يملكُ الأرض التى يقطنها على الشيوع، وله السِيادة عليها. 
. وعلاقة الإنسان بأرضه مقدَّسة وله عليها حقّ "السِيَادَةSovereignty "، وهو الحقُّ الأوَّل للشعبِ على أرضِه، وعليه تقومُ بقيَّة الحقوق.
. والأرض ثروة الثروات وكنز الكنوز، وآيات القرآن الكريم وجميع الأديان السماوية أكَّدت ذلك:(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ(30) الأنبياء. (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ(105) الأنبياء. (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ(190) آل عمران.
. وعلى مستوى التشريعات السودانية، قانون تسوية الأراضى وتسجيلها لسنة 1925م وضعه المُستعمر الإنجليزى لنهبِ ثروات الأرض ومصادرة السيادة الوطنية، وإستمَّر سارياً بعد الإستقلال حتَّى اليوم. 
. وقانون المعاملات المدنية لسنة 1984م ينصُّ على أنَّ: (الأرض لله، والدولة مستخلفة عليها، مالكِة لعينِها ومانحة لمنفعتِها) هو ذات قانون المُستعمر لأنَّه يعطى السيادة الوطنية (للدولة) وليس للشعب، والدولة تعنى الحكومة. النصّ يجب أن يكون كالآتى: (الأرض الله، والشعبُ مستخلفُ عليها، مالكٌ لعينها ويمنحُ منفعتِها، وينهضُ بالسيادة الوطنية). فكل وثقافات وأعراف منح ملكية الأرض لغير الشعب باطلة ويجب أن تُلغَى فوراً. السيادة بعد الله سبحانه وتعالى للشعب. 
. وعلى مستوى الأدب الوطنى: هذه الأرض لنا فليعش سوداننا عَلماً بين الأمم. سودانى الجوَّة وجدانى بريدو. بلادى يا سَنى الفجر. والقومَة ليك يا وطنى. بلادى وإن جارت علىَّ عزيزة وأهلى وإن ضنُّوا علىَّ كرام، 
. الشعب الذى لا يملك أرضه لا يملكُ حريته ولا سيادته الوطنية، ولا يملكُ قراره. . والشعب إذا نزعت منه أرضه فقد سيادته وصار عبداً للمُغتصِب. 
. والأرضُ أنثى، والأنثى أم ونَسل وشرف، ولا يسلمُ الشرف الرفيع من الأذى حتَّى يراقُ على جوانِبه الدمِ.
. وأرض السودان مغتصبة من الغزاة منذ 1821م الأتراك والمصريين ثُمَّ الإنجليز ينهبون ويتصرَّفون فيما فوق الأرض من موارد بشرية ومادية، وكنوز باطن الأرض من ذهب وفضة. ولمَّا خرج المُستعمر الأجنبى فى 1956م لم تعد أرض السودان لشعبهِ بل واصل الحكام المحليون فى نزعِ ملكية أرض السودان وإغتصاب سيادته الوطنية. لذلك نجد أن الشعب السودانى فى أقاليمه قاطبة مستضعف ومأمور بدلاً من أن يكونَ سيِّداً آمِراً، يقمعه العسكرُ الذين حكموا السودان 53 عاماً من جملة 63 عام التى تلت خروج الإنجليز. 
. والعسكر الذين يحكمون السودان (53) سنة هم ورثةُ المُستعمر الأجنبى ينفِّذون ما همسَ به فى أذنِهم يوم خروجه بكلمة وآحدة هى"الأرض". فإلتقط العسكر الإشارة ونفَّذوها ودَان لهم حُكم السودان حتَّى اليوم. 
. فيجب على الشعب السودانى أن يبدأ فوراً معركته المقدَّسة لإسترداد أرضه من العسكر، ولن تعود سيادة السودان لشعبه قبل إسترداد أرضه وتضمين نصّ وآضح فى العقد الإجتماعى الذى يَكتِب بنوده الشعب الآن فى ميادين الإعتصام، والبند الأوَّل هو:(أرض السودان يمكله شعبُه على الشيوع، ويديره بنفسهِ ويمنحُ الحقوق عليها. وأنَّ شعب السودان هو صاحب السيادة الوطنية يمارسه بنفسه، ويفوَّضه لمن يشاء من أبناءِه وأجهزة دولته). 
. وبإسترداد أرض السودان لشعبه تعود السيادةُ للشعب، وتُحلُّ كل مشاكل السيادة المغتصبة والحُكم المُستبِد الغاشم الذى ظلَّ يمارسه العسكر ورثة المُستعمِر. والدليل على ذلك هو أنَّ الجيش فى السودان أنشأه الإنجليز سنة 1925م لا للدفاع عن السودان وشعبه ولكن لخدمة المُستعمِر والحفاظ على مصالح الإمبراطورية التى لا تغيبُ عنها الشمس فى حدودِها الجنوبية. فلا تصدِّقوا أيها الشعب أن الجيش فى السودان يتبع للسودان، هذا جيش المستعمر البريطانى المصرى ويأخذ تعليماته من الدولتين. 
. وأنظُر كيف يستجدِى ممثلُو ثورة الشعب السودانى (تجمُّع المهنيين وقوى الحرية والتغيير، وأحزاب ورجال دين كهنة..إلخ) أنظر إليهم كيف يتهافتون على المجلس العسكرى الإنتقالى يخطبون وُدَّه ويؤدُّون فروض الطاعة، ويتزلَّفون ليجدوا لأنفسِهم حِصَّة من كيكة السلطة فى الفترة الإنتقالية. 
. وأنظر كيف قرَّرَ المجلس العسكرى بلا تردُّد: أنَّه صاحب السيادة الوطنية على السودان وإحتلَّ القصر الجمهورى وتحكَّر فيه دون أن يرمشَ له جفن. وأنظر كيف يلعبُ دور الأستاذ على جميع الأحزاب والكيانات الوطنية التى تمثل الشعب وتطلب منهم تقديم مقترحاتهم وبرامجهم لحكم السودان فى الفترة الإنتقالية. 
. والأكثر غرابة: أن هولاء العسكر القتلة ليس لهم رؤية من سطرٍ وآحد حول كيف يُحكم السودان؟ بل يهِمَّهم من يحكم السودان؟ والإجابة بالطبعِ العسكر. 
. المجلس العسكرى وسلفهم عمر البشير يجسِّدون تماماً النُكتة السوانية التى تقول: أن زعيماً أهلياً مُستبداً لا يحسنُ القراءة ولا الكتابة ولا يحفظ من القران الكريم شيئ، ولكنَّه كان يصرُّ على إمامَةِ الصلاة فى بلدتِه، فيتقدَّم صفوف المصلين ويؤدِّى تكبيرة الإحرَام ثُمَّ يطلبُ من أحدِ حفظة القران خلفه بقوله (إقرأ يا..). هذا بالضبطِ ما يفعله المجلس العسكرى بالسودان قسْرَاً وقهْرَاً وشعاره (أمّا أن نحكِمكم، أو أن نقتُلكم)، وهذا الشعار ليس ولِيد اليوم بل أتى به الأتراك فى العام 1821م وإستمرَّ لليوم، وسيدُوم ليوم الدين إن لم يستِرد الشعب السودانى أرضه من حكومات العسكر، مستعمرين ومحليين، ومع إسترداد الأرض ستعودُ السيادة الوطنية والكرامة الإنسانية للشعب، وما دون ذلك حَرثٌ فى البحر. 
ما الحل؟
لن أقول (الحَلُّ فى البَلِّ) كما يحلو للأبطالِ الشفَّاتة والكنداكات. 
بل أقولُ الحل فى الآتى وأن ينفَذ فورَاً:
1. أن تكون المُهمة الأولى لبرلمان الفترة الإنتقالية هى تضمين نص فى الدستور الإنتقالى فى الديباجة، ويفصَّل داخله كالآتى: (أنَّ أرضَ السودان يمكِلُه شعبُه على الشُيُوعِ، ويديره، ويمنحُ الحقوق عليها. وأنَّ الشعبَ السودانى هو صاحب السِيادة الوطنية للسودان يُمارِسُه بنفسِه، ويفوَّضه لمن يشاءُ من أبناءه وأجهزته)،
2. الإستناد إلى النص الدستورى أعلاه (الفقرة 1) لإصدارِ حِزمة من القوانيِّن تضعُ معالجات عاجلة وعادلة لقضيةِ الأرض تؤكِّدُ إسترداد أرض السودان لشعبه، 
3. إسترداد أرض السودان لشعبه يقتضى تفويض سلطات واسعة لممثلى الشعب فى أقاليم السودان المختلفة لإدارة الأرض ونزع هذا الحق السيادى من الحكومات التنفيذية والهيئة القضائية. وهنا يظهرُ دور الإدارة الأهلية الممثلة الشرعية الوحيدة لمجتمعات السودان، ويشرح لماذا تقمَع الحكومات التى حكمت السودان الإدارة الأهلية وتحْجِرها وتضعها تحت وصايتها المباشرة تستخدمها لتحقيق أهدافها ومصالحها وتؤلبها لقهرِ الشعب بدلاً من خدمته وصونِ كرامته الإنسانية،
4. بعد إسترداد أرض السودان لشعبه وعوده السيادة الوطنية تلقائياً للشعب، يجب درء المخاطر التى تواجه هذا التصحيح فوراً، وفى مقدِّمتها حل الجيش السودانى الذى إغتصب أرض السودان وسيادته وإستعْبدَ أهله قرون عدداً منذ (1821م)، حلاً تاماً لا تردُّد فيه، وتجريده من السلاح المملُوك للشعب السودانى، ومن عُهدَتِه العَقَارِيَّة وخاصة الأراضى التى يشغِلُها الجيش فى مراكز المدن(الخرطوم، الفاشر، وزالنجى نمُوذجاً).
5. أن يصدرَ البرلمان السودان فور إنتخابه (بعد الفترة الإنتقالية) مرسُوماً بإنشاء جيش وطنى بعقيدة وطنية ديمقراطية، جيش يحمى الوطن ويخدم الشعب ويصون كرامة المواطن وعزَّته ويزودُ عنه وقت الشدائد. جيش لا يراهُ الشعب داخل المدن كل يوم. جيش يلزمُ ثكناته فى مناطق نائية فى التخوم يرقُبُ الحدود، ويقضى وقته فى التحصيلِ والتدرِيب. ويمكِّنُ الشعب السودانى من زيارته فى ثكناته لرفع معنوياته وتقديمِ الشكر. جيش لا يأتى أفراده إلى المدينة إلا فى إجازته السنوية أو الطارئة، ويدخُلها مُجرَّداً من سلاحِه. 
6. لأجلِ ذلك، نريد أن نرى مواطناً مدنياً وزيراً للدفاع فى الحكومة الإنتقالية، فتاةً أو شاب، شِفتاً أو كنداكة، يضعُ هذا المشروع موضع التنفيذ الفورى بلا رهبة أو تردُّد.
7. نحن سودانيون أفارقة، والسودان قارة أفريقيا مصغرة فى جغرافيته وديموغرافيته. والميثاق الأفريقى لحقوق الإنسان والشعوب 1986م يحكمنا وقد صنعَهُ السودان ضمن دول أفريقيا، وأهم بنود وأحكام هذا الميثاق أن أرضَ أفريقيا مملوكة لشعوبه. وليس لمستعمرى دوله ومن خلفَهم، شرَّ خلف لأسوَأ سلَف. 
. فى الختام: لن أقول هذا أو الطوفان، بل سأترك القرار للشعبِ السودانى المعتصم فى الميادين.
. ورمصان كريم، تصوموا وتفطروا على خير.. العفو والعافية.